يتحدث الشيخ الطنطاوي رحمه الله في "ذكرياته" الجزء السابع.. عن كتاب عنوانه : " الدولة والقومية العربية والدين والوحدة ". " لــرجلٍ كان من رجال القضاء، انقطع إلى النيابة العامة فبلغَ أعلى مرتبة فيها، فكان يومًا النائب العام لدى محكمة النقض ثم لدى المحكمة الدستورية العليا، ثم صار الأمين العام لمجلس الوزراء ثم لديوان رياسة الجمهورية. وما عرفناه من قبلُ من أهل التصنيف والتأليف ولا من أرباب الأقلام وأصحاب البيان. ولا أعرف عنه أنه من العلماء أو من أرباب الفكر". ولأمانة الشيخ الطنطاوي رحمه يقول أيضًا: "كما أنه لم تٌعرف عنه نقيصة ظاهرة ولا عيب معروف، ولا ساءَت قالةُ النَّاس في خُلقه ولا في أمانته. فهو ـ كما يقول الفقهاء ـ رجلٌ مستورٌ".
ثمَّ يقول الشيخ الطنطاوي : "فكيف إذن بلغَ هذا المنصب العالي وهو موظف عادي كسائر الموظفين؟ وكيف تبوأ سامي المراتب وعالي الدرجات؟ ذلك لأنه جاء في عهد الانتداب أيَّام الفرنسيين وهو نصراني، والفرنسيون لا يعطون مسلما شيئًا إن وجدوا من يصلح له ممن هو على دينهم وملَّتهم. ثمَّ إذا همسنا بشكوى أو نطقنا بها قالوا: إنكم تفرقون بين أبناء الوطن الواحد وتبعثونها عصبية دينية! ".
ثم يقول الشيخ رحمه : " إن المؤلف يسرد ترجمة لنفسه في أول كتابه كتبها بقلمه، فلم يجد من مؤهلاته العلمية إلا أنه نال إجازة (أي ليسانس) الحقوق من كلية دمشق سنة 1924 ... ، وأنه احتلًّ مناصبَ عدَّدها ونال أوسمة سردها، وكل ذلك لا ثقل له في ميزان العلم.."
"فإذا سرَد مؤلفاته لم يذكر إلا هذا الكتاب الذي هو لُمَامَة من المراجع القريبة والمجلات الدورية، اعتمد فيه على غير المسلمين أو على مسلمين كانوا أجهل بالإسلام وشرًا عليه ممن يقول إنه من غير المسلمين، ومذكرات قال إنها جاهزة للطبع، أي أنها لا تزال في بطن أمها لا يدري أحد متى يكون مولدها وهل تكون ذكرًا أم أنثى أم سويَّة أم مشوهة؟.."
ولهذا الكتاب قبل أن يكون كتابا قصة مع الشيخ الطنطاوي رحمه الله.. مفادُها "لقد جـاء في هذا الكتاب سؤال وضعه عنوانا كبيرا لفصل طويل هو : (هل النصارى كفار؟). إنه عنوان يخيف كل راغب في وحدة الصف محب لدوام الألفة خائف من التصدع والانقسام. لذلك نبتعد عنه. ولقد ألقي عليَّ هذا السؤال من قبل في مجلس كان فيه جمع كبير من قضاة الشرع والمشايخ ومن كبار رجال الدين من النصارى، وكان يحضره وزراء وكان الداعي إليه والمشرف عليه رئيس الجمهورية. ألقيَ عليّ وأجبت عنه."
يقول الشيخ رحمه الله: ".. ففاجأنا مرة واحد من كبارهم يعتب علينا أنَّنا ندعوهم كفارًا.
فجزع الحاضرون ووجموا وعرت المجلس سكتةٌ مفاجئة. فقلت للرئيس : تسمح لي أن أتولى أنا الجواب؟"
وردَّ الشيخ الطنطاوي رحمه الله على هذا القاضي المُتمسِّح بمسوح الوحدة والوطنية المُدعي زورا أنه يحارب خطاب التفرقة بما يليق بالمقام، وأن هؤلاء القائلين بعقيدة التثليث هم أنفسهم لا يرون من لا يؤمن بعقيدتهم ـ الباطلة والمخالفة للفطرة والشريعةـ مؤمنا.
.. وجاء هذا الكتاب الذي قال عنه الشيخ الطنطاوي رحمه: "وإذا كانت مهنة الإنسان يظهر أثرها فيما يقول وفيما يكتب، وكان الأستاذ حنا مالك مؤلف هذا الكتاب عاش حياته كلها في النيابة العامة حتى بلغ أعلى درجاتها، فإنَّ كتابه مرافعة طويلة ولكن في قضية باطلة!."
قال الشيخ رحمه الله : "..فنحن المسلمين نؤمن برسالة موسى وعيسى ومحمد –عليهم الصلاة والسلام- ولكن عليكم بمن يؤمن ببعض ويكفر ببعض".